مشاريع التهجير الإسرائيلية.. بين الدعاية الانتخابية والاستعداد للتنفيذ

مشاريع التهجير الإسرائيلية.. بين الدعاية الانتخابية والاستعداد للتنفيذ
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
تعود مخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى واجهة المشهد الإسرائيلي، مع تصاعد التصريحات الرسمية التي تتحدث عن إخراج أعداد كبيرة من سكان القطاع، بالتزامن مع الكشف عن خطط وآليات يفترض أن تمهد لتنفيذ هذه الطروحات. وبينما يربط محللون تحدثوا لـ «الاستقلال»، هذه التصريحات بالسياق الانتخابي الإسرائيلي ومحاولة اليمين المتطرف مغازلة قاعدته الشعبية، يرى آخرون أنها تعكس تحضيرًا سياسيًا ومؤسسيًا أكثر جدية، وإن كان الانتقال بها من مستوى الطرح إلى التطبيق الذي يصطدم بعوائق فلسطينية وعربية ودولية كبيرة.

وجاءت أحدث التصريحات على لسان ما يسمى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي تحدث عن خطة لإخراج 250 ألف فلسطيني من قطاع غزة خلال العام الأول، وصولًا إلى بقية سكان القطاع البالغ عددهم نحو مليوني نسمة على مراحل خلال السنوات التالية. كما طرح بن غفير فكرة إنشاء وزارة مستقلة تتولى ملف ما وصفه بـ«الهجرة»، مع الحديث عن إمكانية نقل الفلسطينيين إلى دول ثالثة.
وتزامنت تصريحات بن غفير مع إعلان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن لدى الاحتلال خططًا جاهزة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها تحتاج إلى موافقة الولايات المتحدة وقبول دول أخرى باستقبالهم، وهو ما أضفى على التصريحات بعدًا يتجاوز الخطاب السياسي، ليفتح الباب أمام نقاش بشأن مدى جاهزية الاحتلال للانتقال إلى خطوات عملية.
وأثارت هذه الطروحات موجة إدانات عربية وإسلامية، إذ أدان وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات والسعودية وتركيا وإندونيسيا وباكستان، بأشد العبارات، ما صدر عن بن غفير وكاتس، مؤكدين رفضهم القاطع لأي محاولات أو مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين من أرضهم، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو خارجها، وتحت أي مسمى أو ذريعة.
عوائق واقعية
ويرى أستاذ الاتصال السياسي بجامعة 6 أكتوبر، د. حسام فاروق، أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تأتي في سياق الدعاية الانتخابية ومغازلة قواعد اليمين المتطرف، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مشروع تهجير الفلسطينيين يمثل توجهًا سياسيًا راسخًا لدى حكومة بنيامين نتنياهو، ويستهدف تقويض فرص قيام دولة فلسطينية وحل الدولتين.
وأوضح فاروق لـ»الاستقلال» أن حكومة الاحتلال تسعى، من خلال هذه الطروحات، إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، وتفكيك مقومات الدولة الفلسطينية، عبر تفريغ الأرض من سكانها وتحويل الفلسطينيين إلى تجمعات مشتتة، إلى جانب فصل القدس عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأشار إلى أن المشروع، رغم وجود أفكار وتفاهمات مرتبطة به، يواجه تحركات إقليمية ودولية تشكل عائقًا أمام تحويله إلى واقع، لافتًا إلى أن صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه يأتي في مقدمة هذه العوائق، إلى جانب الموقف العربي، وفي مقدمته الموقف المصري الرافض للتهجير.
وأضاف أن قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي تمثل عاملًا آخر في مواجهة هذه المخططات، فضلًا عن تصاعد الحراك الدولي الداعم لحل الدولتين، والتحركات الرامية إلى فرض عقوبات على الاستيطان.
ويرى فاروق أن طبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه ملف التهجير ستتضح بصورة أكبر بعد الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة المقبلة، معتبرًا أن التصريحات الحالية تحمل جانبًا انتخابيًا واضحًا، وتندرج كذلك ضمن أدوات الضغط السياسي والحرب النفسية، في ظل صعوبة تنفيذ التهجير الشامل على الأرض.
تكتيك انتخابي
ويتفق الكاتب والباحث اليمني في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، د. صريح صالح القاز، مع جانب كبير من هذه القراءة، معتبرًا أن إثارة ملف تهجير سكان قطاع غزة في هذا التوقيت ترتبط بصورة مباشرة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وتأتي في إطار تقديم وعود للشارع الإسرائيلي ومغازلة التيار اليميني.
وأوضح القاز لـ»الاستقلال» أن المخططات الاستيطانية ومحاولات إفراغ حل الدولتين من مضمونه تشكل جزءًا أصيلًا من الاستراتيجية الإسرائيلية، عبر خلق واقع جغرافي وديموغرافي جديد واقتطاع الأراضي، لكنه استبعد إمكانية تطبيق سيناريوهات التهجير الشامل والمبرمج التي يطرحها وزراء الاحتلال المتطرفون.
وأشار إلى أن ما يمكن أن يحدث على الأرض قد يقتصر على حالات فردية واستثنائية، في ظل الرفض الفلسطيني لمبدأ التهجير، رغم القصف والحصار والظروف الإنسانية القاسية.
وشدد القاز على أن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم يشكلان العائق الأول أمام هذه المشاريع، إلى جانب العامل الديموغرافي المتمثل في بقاء الملايين من الفلسطينيين في القطاع والضفة الغربية، وهو ما فرض على القوى الإقليمية والدولية التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا لا يمكن تجاوزه عبر التهجير.
ولفت إلى أن تصاعد الضغط الشعبي في عدد من العواصم العالمية أسهم في تغيير مواقف دول كبرى تجاه القضية الفلسطينية، معتبرًا أن أي تواطؤ رسمي مع مخططات التهجير سيضع حكومات عدة أمام ضغوط شعبية وسياسية كبيرة، بما يصعّب تحويل الطروحات الإسرائيلية إلى سياسة قابلة للتنفيذ.
تحضير جدي.. وقدرة محدودة
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن التصريحات الإسرائيلية لم تعد مجرد شعارات انتخابية أو حرب نفسية، بل تعكس وجود تفكير وتحضير جدي داخل مؤسسات الاحتلال لبناء ما وصفه بـ«قدرة دولة» تسمح بتحويل التهجير إلى سياسة رسمية ومأسسته ضمن الخيارات المطروحة لمستقبل قطاع غزة.
وأوضح أبو رحمة لـ»الاستقلال» أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في الأرقام التي يطرحها بن غفير، وإنما في التدرج العملي والمؤسسي، خصوصًا مع حديث كاتس عن وجود خطط جاهزة.
واعتبر أن «إسرائيل» تسعى إلى خلق واقع سياسي وفكري يجعل خيار التهجير متاحًا للتطبيق الجزئي، ثم توسيعه إذا سمحت الظروف السياسية والميدانية.
ومع ذلك، شدد أبو رحمة على أن المشروع، رغم جديته الأيديولوجية والسياسية، لا يزال يفتقر إلى الجاهزية التنفيذية الكاملة، معتبرًا أن تصريحات كاتس نفسها تكشف أحد أبرز مواطن الضعف، والمتمثل في عدم قدرة «إسرائيل» على تنفيذ المخطط بمفردها.
وأوضح أن الانتقال إلى التنفيذ يتطلب موافقة أمريكية صريحة، وقبول دول باستقبال الفلسطينيين، إلى جانب تجاوز الموقف العربي والدولي الرافض للتهجير، فضلًا عن الصمود الفلسطيني على الأرض.
وشدد أبو رحمة على أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستحدد وزن القوى اليمينية الدافعة باتجاه مشروع التهجير، مؤكدًا أن الانتقال من مرحلة التصريحات إلى التنفيذ لا يقاس بحجم الخطاب السياسي، وإنما بظهور مؤشرات عملية، من بينها قرارات حكومية رسمية، وميزانيات مخصصة، واتفاقات واضحة مع دول مستقبلة، وغطاء أمريكي مباشر.

التعليقات : 0

إضافة تعليق